مذكرات الزيارة الأولى




سحقَاً لهم ! كَيف يصنعون لنا من الأمور الصغيرة أفراحاً لا تُنسى
ويجعلون للأشياء التي لا تذكر مَعنىً جميلاً لا يُقدربثمن !
إنهم يتفننون في صنع بؤسنا وحزننا وحينَ يقللون من جرعة المآسي التي نتلقّاها كل نَفسٍ بانتظام
نشعر وكأن سيلاً من فرح قد تدفق باتجاهنا ..
إنهم محترفون في خنقنا لكننا أبرع في التنفس !
لَم يكن اليَوم عادِيّاً ولا تلك الـ ثلاث وأربعين يوماً التي مضت !
لم تكن عادية البتة بحضرة الغياب ! وبحضور اللاحضور ..
 إنه كـ شعور الموت دون موت | بالضبط !

لَم أستطع ليلة اليوم النوم جيداً ربما حماسةً وفرحاً بالآتي 
أو ربما تنبأً بصدمة ستراودني بعد انقضاء اليوم !
وجاء الفجر المنتظر ، إنها الرابعة والنصف فجراً | 
والحياة تدب في أوصال البيت كأننا في وضح النهار ،
 أحدنا يرتدي الثياب التي يظن أنها ستبدو أجمل بنظر أبي 
والآخر يحاول تركيب الابتسامة التي تلائم الموقف الذي سيوضع فيه 
وآخر يستعجلنا لنلحق بالركب ..

ومضينا ، هذه الأرض تركض من تحتنا
وعيوني لا تفارق المساحة الشاسعة الجمال الممتدة الخضار التي تعدو من جانبي !
إن نظرت إليها خُيّل إليكَ أنك تتهادى على قطع من الفردوس !
جنات من نخيل وأعناب وأثمار من كل ما تشتهي الأنفس ..
إلا أنك تعود إلى رشدك ووعيك حين تبصر نَجسٌ متديّن
يقف إلى جانب منزله الذي استلّ أوراق ملكيته من جيوبنا !

لقد كدت أبكي حين رأيت أراضي بيسان | البرتقال والحمضيات ، السنابل والأشجار ،
كل الأشياء الجميلة التي تبعث في الفؤاد معنى الحياة !

لقد سلبوها منا وسرقوها ، لقد تخيلت أهل هذه البلاد الذين آلوا إلى مخيمات لا تشبه شيئاً سوى الشقاء !
ماذا كانوا صانعين لو رأوا ذاك اليهودي الذي استل منهم بيوتهم ..
لقد كان كل منظر بهيّ يمر على عيني ، يمر به خنجر في قلبي فيقتلني !
أكاد أصرخ بهم ، هذه أرضنا وليس لكم فيها شبر واحد أيها الأنجاس
هذه ملكنا وليس لأحد منكم فيها شجرة أو ثمرة واحدة أيها اليهود القذرين ..

وصلنا السجن ..!
مقصدنا الذي انتظرت ثلاثة وأربعين يوماً على أحر من الجمر لأصله ،
 الساعة الـ ثامنة صباحاً والجو ربيعيٌّ يتزين بشمسٍ دافئة ..

لم أكن أعرف كيف هي زيارة الأسرى ولا الإجراءات المتخذة رغم قيامي بهذا الأمر قبل سبع سنوات
إلا أنه كان سجناً آخراً علاوة على عامل الزمن وظاهرة الحت التي تعتري ذاكرتي !

كنت قد جلبت معي كتابين وسماعات هاتفي من أجل الاستمتاع ، لكن أخي والعائلة وفّوا بالغرض !
لقد كانت ساعات الانتظار طويلة ، فكل زوار السجن يقسمون إلى دفعات
وكل دفعة تحتاج ساعة تقريباً للتفتيش والزيارة ،
فزيارة الأسير والحديث معه لا تتجاوز النصف ساعة فقط ،
نحن نقضي النهار كاملاً حتى نرى من نحب نصف ساعة فقط ..
كنا في الدفعة الرابعة وكان علينا الانتظار للساعة الثانية من أجل الدخول ،!

السجن كان أبيضاً من الخارج لا يوحِي أبداً بسواده وعتمة الظلم فيه ،
الطيور تحلق من فوقه بكثافةٍ
كأنها تريد أن تعادل مقاييس الحرية والقيد في تلك المنطقة !
تريد أن تعلّم من في الداخل أن يطيروا بأرواحهم نحو الحرية وإن كُبّلت أيديهم في الأصفاد ،
أن يسموا لسماء اللاحدود بفكرهم النير وقلوبهم البيضاء .!

انقضت تلك الساعات بين تململ وتحمّس ، وخوف وفرح .. 
وما بين دفعة وأخرى يزداد اقتراب دورنا ..
إنها الدفعة الرابعة | الساعة الثانية : حان دورنا يا سادة ..
بدأ الجندي اللعين بإطلاق أسماء الأسرى واحداً واحداً لتفتيش أهله ،
مر اسم واسمين وأربعة وعشرة 
واسم أبي لم يُطلق بعد ،
أتراهم سينسوننا ،

بدأت الأفكار المخيفة تطاردني وتحاصرني من كل اتجاه ولهجت ألسنتنا بالدعاء ،
لقد كان اسم أبي الاسم الأخير ، ما إن سمعت اسمه حتى بدأ قلبي بالهيجان !
 لا أدري ما الذي حصل لكن نبضات قلبي تتسارع بشكل جنوني كأنّه يريد التحليق فرحاً ..

وصلنا لغرفة الزيارة بعد مراحل عديدة ، إنه الوجه الأبلج البهي ،
إنه وجه أبي الحنون يبدو لي منذ أن دخلت باب الغرفة ،
لقد بدا وجهه نيّراً بلا حدود تعلوه ابتسامته الجميلة كـ دوماً
لكنها اليوم أقوى تجابه قيد السجان ولوح الزجاج الفاصل |
وجه أظلمه إن شبهته بالقمر وأي قمر هو ! 
لكن جسده قد نحل !
يبدو أنه لا يأكل ، أقصد أنهم لا يقدمون لهم الطعام ..

لم أستطع أن أطيل النظر في وجهه أكثر من ثانية واحدة ثم أخفضت رأسي إلى الأرض
أخطو خطاي على عجل حتى وصلت المكان الذي أجلس فيه ، 
لقد راودتني ملايين الأفكار بل أكثر في تلك الثانيتين ،
ظننت حقاً أنني أحلم ..

جلسنا أمامه ، والابتسامة تأبى أن تغادر أفواهنا ، إنني أشعر بقلبي يحلق !
 لقد تَخلّى عن مكانه أكاد أقسم !
الزجاج العازل للصوت يفصل بيننا هو في داخل غرفة مربعة من ذاك الزجاج
يجلس على أضلاعها ما يربو على خمسة عشر أسيراً 
وأهاليهم يجلسون على الأضلاع من الخارج ، 
الصوت لا يصلنا سوى من سماعة يتكلم بها من الداخل
وسماعتين نستمع بهما نحن من الخارج ..

لقد أعطينا أمي حصتها في سماعة واقتسمنا نحن الثلاثة سماعة واحدة ..
بدأنا بالحديث مع أبي من خلف الزجاج دون صوت ، لم نستطع من لهفتنا انتظار فتح السماعة ،
نقرأ الكلمات من شفاهه وهو كذلك والبهجة تعم أفئدتنا لرؤيته ! 

فتحوا مجال الحديث بالسماعة وبدأ العد التنازلي للزيارة ..
كانت آلاف الكلمات تتنازع للخروج من فمي ، فاختلطت جميعها بلغة الصمت ـ
لم أتكلم سوى دقيقة واحدة وآثرت أن أستمع لصوت أبي ، 
لقد كنت مهتمة أن أستمع لصوته أكثر من الكلمات ،
وكنت أتأمل ملامحه التي غابت أياماً عن بيتنا ونوره الذي ملأ المكان ، 
إنه الشوق يا فؤادي !
يحيلنا رماداً كلما اختلط الغياب بالعذاب والبعاد بالسهاد واللهفة بالألم ..
لقد كانت كلماتنا تسابق الزمن ، والدقائق تأكلها لهفتنا للحديث أكثر !

كلمات أبي كانت مفعمة بالقوة والثبات ، بالصبر والعزيمة ! 
مفعمة بالسعادة أيضاً ..
إن أبي يتقن فن الحياة ، إنه يعلم أنّه يعيش حياته لمرة واحدة
وأنّ سبيل الجنّة ليس يسيراً معبداً مزروعاً بالورود ،
إنه يرى السجن تجربة سيخوضها سعيداً راضياً / وينظر إليها كـ مدرسة ،
وأبي في وقفته وكلامه وهذه الزيارة بالذات كان لي مدرسة !!

في منتصف الزيارة ، بدأت دموع تفيض ، تنهمل كـ مطر شتاء ولم أستطع أن أحبسها لتمتنع عن ذلك !
لقد سالت وعصت أوامري التي لقنتها إياها ليلة البارحة لكني بسرعة التفت خوف ان أريها لأبي
فيجول في خاطره الحزن وأصيبه بألم فمسحتها بسرعة
لكن غصتها بقيت في حلقي تطاردني كلما رأيت ملامح أبي أمامي
معزولة عني بحاجز | أتأمل حضن أبي وأتمنى لو أعانقه بشدة وأبكيه دون أن أتوقف ،
لأخبره كم أنا تعبة بدونه ، ضعيفة في غيابه ،
لأعلمه كم هو البيت خالٍ بدون صوته وخطوته وضحكته التي لا تفارق مسامعنا ، 
لأخبره كم أنا أحبه !

لقد ماتت كل الدقائق على ساعة العد التنازلي ، حان وقت الذهاب !
الرجوع إلى البيت دون صحبته ، وأن يعود هو إلى زنزانته ليجلس مع عائلته الجديدة
التي تمنّى أن يرى في وجههم ملامح عائلتنا !
لم أعد أعرف كيف الوداع يكون ولا كيف نحيّه عندما نذهب ، 
لقد غادرت دون تفاصيل تذكر غير تفاصيل الألم :")
انتهت الزيارة والتعب يكاد يهلكنا ، لقد نمنا طويلاً في طريق العودة !
لكنني أحلم بطريق عودة أنام فيه بين أحضان أبي ..

لقد نالتني أوجاع صدمة عنيفة عندما عدت إلى المنزل ، 
أحسست أنّي الآن قد وعيت لـ وجع اعتقاله ،
بعد أن رأيته بـ زي الأسير البني يتحدث إلينا من وراء حجاب في وقت محدود ،
بعد أن قضيت نهاراً كاملاً لأراه نصف ساعة ،
أحسست أنني كنت غائبة عن الوعي طوال الوقت 
والآن فقط استيقظت لأدرك هول غيابه ووجع فقده ،
لكني لا أملك سوى أن يلهج لساني بالدعاء وقلبي كله أمل بالله :")



لقد انتظرت أياماً ثلاثة حتى أستطيع أن أخط مذكرات هذا اليوم
وها هي الآن حاضرة في الذاكرة وبين الكلمات ، ليشهد الزمان أننا أبداً لن ننسى !
11/1/2012 – 2:23 فجراً



أمل الأمةة ~ يقول...

ونحن لن ننسى !
وقسماََ لَتبقى في الذاكرة والقلب والروح ..
قسماََ ستبقى غصة في الحلق ، لن ترحل حتى ننتقم !
سنفجر هذا الغضب في نحورهم حتماَ في يومٍ ما ..
سنطهر أرض فلسطين شبراَ شبراَ من دنس هؤلآء الفجَرة ..
\
ذرفت الدموع من قهرٍ وغضبٍ وحسرة ، إلهي برّد حرّ مابقلوبنا بلذّة الإنتصصصآر يَ كرريم =""(
وأروِ عطش أفئدتنا ليوم الحرية والنصر يَ قادر يَ ربّ العباد ..

إني أرى بشائر هذا اليوم قد هلّت أخية ♥♥
والله إن يوم الإنتصآر لقريب ، وقريبٌ جداََ ..
فقد ظهرت هذه البشائر من البلدان الحرة [ ليبيا ، مصر ، سوريا ... إلخ ] !
\
أسأل الله أن يردّ أباكم وكل الأسرى الأحرار <3
إنهم معنى سامٍ للبطولةة والحريةة ، شكراََ لهم =") ♥